افتعل أهل الصعيد فى سبيل إحياء مناسباتهم المفرحة ) كالزواج والطهور والذهاب لآداء مناسك الحج وخسوف القمر و.......... إلخ ) ما لا تحتمله سطور المؤلفات والنوتات الموسيقية، ولهم فى كل ذلك طقوسهم البديعة التي فاقت طقوس أهل البراري والبوادي والثغور والقفار.

فمن منا، أهل الصعيد، لم يقطع دروب بلدته أقصاها إلى أقصاها وراء الأهل يزفون العرائس والعرسان على ظهور الجمال التى تزينت جباهها بالمناديل الملونة، وتزينت هوادجها بالأقمشة المطرزة بالرسومات اليدوية، وقد أناخوا النوق حتى يلبسوا ما أبدعته أيدى النسوة خشبة كل ضريح من أضرحة أولياء البلدة الصالحين، وقد سكت كل مزمار وكل مزغردة، حتى يتسنى للجمع قراءة الفاتحة وتلاوة ماتيسر من أدعية أكف الضراعة بالصحة والستر أو الزواج أو النجاح أمام الضريح، حتى إذا ما فرغوا من قراءتهم للفاتحة وتلاوتهم للدعوات، علت الزغاريد مؤذنة بارتفاع حناجر المزامير وفق سيمفونية رائعة أطارت النوم من عيون العصافير فى أعشاشها، فكافأت الجمع بالتجاوب معهم...، فعبرت عن فرحتها بالتحليق فوق رؤوسهم – جيئة وذهابا–

وهكذا يتابع الجمع سيره ووقوفه المتكرر أمام كل مقام من مقامات الأولياء، حتى يحطوا رحالهم فى باحة من باحات القرية، حيث يقام الفرح. لمناسبة من المناسبات التى يقيمون لها الأفراح لأيام طوال، فإذا ما حان وقت الأصيل، صنع أهل القرية دائرة كبيرة للفرجة على لعبة التحطيب والتي يبرع فيها الجميع لتعلمها الصغير عن الكبير، حيث يمارسونها على نغمات المزمار البلدي، وإيقاعات الطبول، ويستمر تباري اللاعبين مابين منتصر ومهزوم يجمع بينهم الحب والتنافس الشريف، حتى يحلّ موعد غروب الشمس، ويذهب بعدها الجمع إلى حيث يضرب سماط وليمة صاحب الفرح للعشاء ثم النقوط الذي يصحبه طقس يزيد الأمسية بهجة على بهجتها، ألا وهو طقس ( الخلف )، حيث يقف أحد أبناء القرية، والذي يدعى بينهم (ب المنادي) بكسر الدال، وهو الذي احترف مهنة المناداة على أشيائهم التى يفقدونها في الأيام العادية.

فكلما تقدم واحد إلى صحفة النقوط، رفع المنادى صوته بالخلف، حيث يذكر اسم الرجل وأسماء أبنائه اسما اسما متمنيا للجميع خير الأمور، فإن كان أحدهم غائبا يدعو له بالعودة سالما غانما، وإن كان من بين طلبة العلم يدعو له بالنجاح والحصول على الشهادة العالية، وإن كان مريضا يدعو له بالشفاء العاجل، كل ذلك بصوت مرتفع ( بادئا أم معقبا ) بعبارة: " ومحبّينك يا مير "

أو بعبارة:" نقط الفضة خلفت خير"، يتم ذلك والاحتفال يكون قد بدأ منذ الساعة أو أقل من ذلك قليلا بعد عشاء فرقة المزمار البلدي، حتى إذا ما انتصف الليل جاء الشباب بالفرس – إن كان الاحتفال للعرس – ثم يذهب أصدقاء العريس لاصطحابه من حيث تم حمام العرس، ثم يركبونه الفرس ومتابعة السير حاملين مصابيح الكيروسين ( الكلوبات )إلى حيث يكون منزل العروس، التي بدورها تكون قد أخذت جلوتها على يد ( الحفّافة أو الماشطة ) من بعد حمام عرسها، ليتقدم عم العريس الافتراضي: ( واحد من شباب القرية سبق زواجه يتخذه العريس عما له يشرح له أمور ليلة الدخلة ) لدفع مبلغا من المال إلى الماشطة ويسمى الفكة: حيث تكون العروس في حكم الأسيرة لدى الماشطة، فلا تتركها لعريسها إلا إذا رضيت بمبلغ الفدية، والتي يزاد لها مرة بعد مرة، كل ذلك والعريس ينتظر على ظهر جواده خارج دار العروس وعمه يدخل ويخرج وفق مفاوضات زيادة الفدية للماشطة في قالب فكاهى يعجب مشيعى زفة العرس، حتى إذا ماتم للماشطة ما أرادت تركت العروس إلى حال سبيلها محوطة بقريباتها وأقربائها وصديقاتها إلى عتبة دار والدها ليتقدم أخوها أو أبوها أو خالها أو عمها ليحملها بين ذراعيه مركبا إياها خلف ظهر عريسها لتتم أولى طقوس الزفة بربط العروس إلى ظهر عريسها بشاش "عِمّة" أحدهم، ليس فقط لخوفهم من أن تسقط العروس من فوق ظهر الجواد متى جمح ولكن مبالغة فى اشهار الزواج أو التعبير عن الجمع بين العريس وعروسه بآصرة لا تنفصم عراها، ثم يعيد الجمع المتكالب على فرحة قلّ أن يقبضوا على تلابيب وقتها طقوسا كانوا قد بدأوا مثلها أول النهار، بسيرهم الحثيث الخطا عبر دروب القرية الضيقة وأزقتها، حتى يستوقفه أول مقام من مقامات أولياء القرية الصالحين لقراءة الفاتحة و( كبّ ) أول صينية شمع وكعك وحلوى أمام عتبته أو على أقل تقدير اعطاء أهله كعكة الضريح ليتابع بعدها الجميع سيرهم وهكذا يفعلون أمام عتبة كل مقام لولي، حتى يصلوا إلى عتبة ولي الأولياء فتضع كل حاملة لصينية حملها ( كبّا ) أمام عتبته، ليتهافت الصبية على تنقية الأرض المتربة من حلوتها وكعكها وفولها السوداني وشمعها، لتتابع الزفة سعيها إلى بيت العريس، ليحل الأقرباء رباط الشاش الذي يكون قد حفر بخصري الزوجين ما حفر من أخدود يظل أثره باديا على الجسدين الأيام الطوال، ثم يتقدم أحدهم لحمل الفتاة وإنزالها عن ظهر الجواد لتقف منتظرة عريسها الذي يأخذ بكفها لتقف وجها لوجه أمام عمّتها ( أم عريسها ) التي تنتظرها بكوب اللبن لتسقيها منه رشفات، ثم تأمرها بدهان عتبة دارهم العلوية ببعض اللبن أو البيض الطازج.

ثم تدعو لها ( بالعمارة والتمارة وزواج النصارى) ليصطحب العريس عروسه بعدها إلى غرفة النوم لتتم طقوس الدخلة ولينام أهل العروس قريري العيون بعد رؤية دم شرف ابنتهم وكيف أنها قد حافظت عليه بينهم.

فإذا ما حط النهار أول ضوء للشمس رأيت جموع الصبية والشباب يزحفون إلى بيت العريس للاستمتاع بطقوس الصباحية، حيث تقام للعريس وعروسه منصة مرتفعة بوضع كرسيين فوق ( دِكـَّة ) ويبدأ الأهل فى الغناء وتقديم ( النقطة ) من قبل النساء وصديقات العروس لها على نغمات صوت المنادي وهو يقول: " ومحبينك يا مير، نقّط الفضة خلفت خير"، وذلك حتى قرب انتصاف النهار وارتفاع الشمس إلى كبد السماء، ليرحل العروسان إلى حيث مخدع الزوجية.