بين المسطرة الجنائية وقانون المحاماة… فراغ تشريعي يضعف شروط المحاكمة العادلة ويهمّش صوت الدفاع إعلاميا
شهدت المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بسرية البحث والتحقيق تعديلا جوهريا انصب على إعطاء صلاحيات واضحة للنيابة العامة من أجل التواصل مع الرأي العام، وإذا كانت الغايات المعلنة والتي أملت هذا التعديل نبيلة، والهدف منها هو مواجهة الإشاعات والأخبار الزائفة، وتحصين ثقة المواطنين في العدالة. فإن ذلك لا يكفي لحجب السلبيات، وتبديد المخاوف العملية من هذا التوجه التشريعي في صيغته الحالية، والذي يشكل إخلالا ثابثا بتوازن مراكز أطراف الخصومة الجنائية، وتقوية لسلطة الاتهام على حساب حقوق الدفاع. وهو ما يستدعي إعادة التوازن عبر التنصيص على ضمانات واضحة لحماية دور الدفاع وتكريس مبدأ تساوي الأسلحة باعتباره أحد تجليات المحاكمة العادلة.
* فالصلاحيات الجديدة التي خولها التعديل الأخير للمادة 15 تتمثل فيها يلي:
* منح النيابة العامة صلاحية إعلام الرأي العام حول بعض القضايا والإجراءات المتخذة، ومستجداتها ومآلها، دون تقييم الاتهامات.
* تمكين الشرطة القضائية – بإذن مسبق – من إصدار بلاغات إعلامية.
* تعيين قاضٍ أو أكثر من قضاة النيابة العامة للقيام بمهام ناطق رسمي للتواصل. (وهذا التعيين ينسجم مع مستجدات التنظيم القضائي التي نصت على كون كل مسؤول قضائي أو من ينوب عنه هو ناطق رسمي باسم المحكمة، كل فيما يخصه).
* وإذا كانت هذه المستجدات خطوة تشريعية مهمة في اتجاه ضبط التواصل المؤسساتي، إلا أنها أحدثت وضعا جديدا يوسّع من صوت جهة الاتهام إعلاميا، في مقابل غياب تنظيم قانوني مواز يضمن حق الدفاع في الرد الإعلامي بشكل آمن ومؤطر ومهني.
* مع العلم أن هذا التوجه التشريعي المختل في حاجة إلى إعادة النظر للاعتبارات التالية:
ـ إتاحة التواصل للنيابة العامة في غياب آلية موازية متاحة للدفاع يضع هذا الأخير في موقع ضعيف إعلاميا وقد يؤدي إلى تكوين رأي عام منحاز قبل المحاكمة.
2 ـ غموض الحدود الفاصلة بين الإخبار والتكييف والتقييم القضائي للوقائع والاتهامات.
3 ـ غياب معايير مضبوطة للخطاب الإعلامي يفتح الباب لاجتهادات شخصية قد تفضي إلى المساس بقرينة البراءة والمعطيات ذات الطابع الشخصي.
4 ـ التوسع المحتمل في البلاغات المأذون بها للشرطة القضائية والسماح بنشر الصور والأسماء، هو أمر حساس بالنظر إلى كون الشرطة القضائية تعد طرفاً مباشراً في الأبحات والتحريات وجمع الأدلة.
5ـ خطورة تحول الإعلام إلى محكمة موازية، وخاصة في قضايا الرأي العام ذات التأثير الاجتماعي، وخاصة إذا تم استغلال التواصل القضائي من أجل التضخيم أو الإثارة أو تحريف التصريحات القضائية لخدمة أطراف معينة على حساب أطراف أخرى.
ـ سنتطرق في الجزء الثاني من هذه التدوينة إلى المقترحات التشريعية التي نوصي بإدراجها في مشروع قانون مهنة المحاماة، لتأطير التواصل الإعلامي للدفاع، ضمانا للتوازن الإجرائي بين أطراف الخصومة القضائية ، وحماية لصورة المهنة ومكانتها من الخرجات الإعلامية غير المحسوبة و المنفلتة من ضوابط المهنة وقواعدها.