لم يعد البنجر مجرد خضار تقليدي على الموائد، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى مادة بحثية تحظى باهتمام علمي متزايد. دراسات حديثة تربط بين مكوناته الطبيعية وصحة القلب، وضغط الدم، والأداء البدني، ووظائف الدماغ، إضافة إلى دوره في مقاومة الالتهاب ودعم صحة الأمعاء.

عرف البنجر منذ آلاف السنين، إذ تعود أصوله إلى مناطق البحر المتوسط وبلاد فارس، حيث استخدم في البداية لأغراض طبية قبل أن يجد طريقه إلى الموائد. ومع توسع الإمبراطورية الرومانية، انتشر البنجر في أوروبا بوصفه خضاراً غذائياً أساسياً، ولا سيما في مناطق أوروبا الشرقية. وعلى امتداد القرون، ظل البنجر جزءاً من المطبخ الشعبي في ثقافات مختلفة، قبل أن تعيد الأبحاث الحديثة اكتشاف قيمته الغذائية والصحية.

وحين ننظر إلى حبة الشمندر بشكلها المتواضع، يصعب تخيل أنها واحدة من أكثر الخضروات حضوراً في الأبحاث الغذائية الحديثة. غير أن هذا اللون الأرجواني الكثيف يخفي مزيجاً معقداً من النترات الطبيعية ومركبات مضادة للأكسدة، جعلت البنجر يدخل بقوة إلى دراسات ضغط الدم، وصحة القلب، ووظائف الدماغ، وحتى صحة الجهاز الهضمي. في ما يلي خمس فوائد أساسية تفسر هذا الاهتمام المتزايد.

خفض ضغط الدم ودعم صحة القلب

تقول الدكتورة بادما شينوي، طبيبة القلب في مركز Manhattan Cardiology المتخصص في أمراض القلب بمدينة نيويورك، إن الأطعمة الغنية بالنترات الغذائية، مثل الشمندر، يمكن أن تسهم في خفض ضغط الدم عبر تحسين مرونة الأوعية الدموية وتقليل مقاومة تدفق الدم، مؤكدة أن هذا الدور يبقى داعماً للصحة القلبية عند إدراجه ضمن نمط غذائي متوازن.

تعد هذه الفائدة من أكثر خصائص البنجر توثيقاً علمياً. فالنترات غير العضوية الموجودة في عصير البنجر تتحول داخل الجسم إلى أكسيد النتريك، وهو مركب يساعد الأوعية الدموية على التوسع والارتخاء، ما ينعكس بانخفاض ضغط الدم.

مراجعة منهجية نشرت عام 2022 في مجلة "نيوتريِنتس" المتخصصة في علوم التغذية أظهرت أن استهلاك عصير البنجر الغني بالنترات يسهم في خفض ضغط الدم الانقباضي لدى المصابين بارتفاع الضغط، حتى عند استخدام جرعات معتدلة.

وفي دراسات أحدث امتدت بين عامي 2024 و2025، لوحظ تحسن ملحوظ في ضغط الدم لدى مرضى يعانون من ارتفاع الضغط وأمراض تنفسية مزمنة بعد الاستهلاك المنتظم لعصير البنجر لمدة ثلاثة أشهر، ما يعزز فكرة اعتباره جزءاً من استراتيجية غذائية مساندة للعلاج الطبي، لا بديلاً عنه.
الأطعمة الغنية بالنترات الغذائية، مثل الشمندر، يمكن أن تسهم في خفض ضغط الدم عبر تحسين مرونة الأوعية الدموية (جيتي)


تحسين الأداء البدني والتحمل

لم يعد عصير البنجر مجرد وصفة شعبية، بل أصبح حاضراً في النقاشات الرياضية. السبب يعود إلى دوره في تحسين كفاءة استخدام الأوكسجين داخل العضلات. مراجعة موسعة نشرت عام 2025 في مجلة "نيوتريِنتس" حللت عدداً كبيراً من الدراسات، وخلصت إلى أن مكملات عصير البنجر قد ترفع الحد الأقصى لاستهلاك الأوكسجين وتحسن قدرة التحمل، وإن كانت التأثيرات في معظم الحالات صغيرة إلى متوسطة.

دراسات أخرى ركزت على رياضات محددة، مثل الجري المتقطع أو التسلق، وجدت أن تناول عصير البنجر قبل التمرين بساعتين إلى ثلاث ساعات ارتبط بتحسن في زمن التحمل وبعض مؤشرات الأداء، مقارنة بالمشروبات الوهمية. التأثير ليس سحرياً، لكنه قد يمنح دفعة إضافية طبيعية، بخاصة لدى الهواة.

Image description

دعم الدماغ والوظائف الذهنية

الاهتمام بصحة الدماغ لم يعد مقتصرا على الكافيين أو المكملات، إذ بدأ البنجر يظهر في أبحاث مرتبطة بالتركيز والذاكرة. النترات الموجودة فيه تحسن تدفق الدم إلى مناطق دماغية مسؤولة عن التفكير والوظائف التنفيذية.

تجارب حديثة أشارت إلى أن مكملات تعتمد على البنجر قد تحسن سرعة المعالجة وبعض جوانب الأداء الذهني لدى البالغين الأصحاء عند تناولها قبل الاختبارات الإدراكية، ما يفتح الباب أمام دور محتمل للبنجر في دعم صحة الدماغ مع التقدم في العمر.

مضادات أكسدة تقاوم الالتهاب

اللون الأرجواني للبنجر ليس مجرد مظهر، بل يعكس وجود صبغات نباتية تعرف باسم البيتالينات، تعد من أقوى مضادات الأكسدة الطبيعية.

مراجعة علمية نشرت عام 2021 في مجلة "كريتكل ريفيوز إن فود ساينس أند نترشن" أظهرت أن هذه الصبغات تمنح البنجر خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، وترتبط بصحة القلب والتمثيل الغذائي.

إلى جانب البوليفينولات، تساعد هذه المركبات على تقليل الإجهاد التأكسدي، وقد تسهم في حماية القلب ليس فقط عبر ضغط الدم، بل أيضاً من خلال التأثير في دهون الدم والالتهابات المزمنة.

في السياق العربي، برزت دراسة علمية مصرية نشرت في Egyptian Journal of Chemistry سلطت الضوء على الخصائص الصحية للبنجر، مع تركيز خاص على قشوره الغنية بالمركبات النشطة. الدراسة، التي أجراها باحثون مصريون، أظهرت أن مستخلصات البنجر تحتوي على مستويات مرتفعة من مضادات الأكسدة، ولا سيما صبغات البيتالينات، وأسهمت في تقليل مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي في النماذج التجريبية.