الدُّوَاقَــــة (1) ( من طقوس السُّتْرَة في قرى جنوب صعيد مصر)
- أن ترسل من جنى يديك قطفا ؛ ليتذوقه من لا جنى ولا قطوف له من وراء زرع أم ضرع أم خميلة ، لهو توادٌّ وتراحم وتكافل في آن بين أهل الشارع الواحد والقرية الواحدة ... ، ما أزال أتذكر " ماجور اللبن " الصباحي ؛ تحمله بين يديها أم فوق رأسها إحدى القريبات أم الجارات ... أنْ ذوقوا من لبن أول حلب لبقرتنا أم جاموستنا التي وضعت حملها بالأمس القريب أم تذوقوا أول قوالب من أجبانها أم سمنها وكذا ماجور اللبن الرائب لوجبات الغداء ، ناهيك عن أطباق السلوى* والسرسوب **... ، وهكذا في كل مناسبة اجتماعية يصحبها طقس " دواقتها " ، لا فرق في ذلك بين مناسبة مبهجة أم زايلتها البهجة – من قريب أم من بعيد – فما يفرق بين حال ... وحال ... التجاوب مع مشاعر من يتقدم بهديته ( دواقته ) ، فعند حلول مناسبة فرح لعــرس كان أم لطهور أحد الأبنـــاء ، وعقـب خبز النســوة " لكحك " أولياء الله الصالحين ما ستحمله النسوة متنقلات به بين الأضرحة وإعطاء كل نقيب ضريح فرحته من " كحك " و " منون " وحلوى وفول سوداني – وفق مراحل طقس ليلة الحناء – تبدأ قريبات العريس في توزيع " الدواقة " على بيوت الأهل والجيران وعابري كل سبيل يقطعنها – جيئة أم ذهابا – وكذا ليلة الفرح ما تسمى ب ( ليلة العَشَاء ) يتم توزيع أطباق مطبوخ الخضراوات ولحوم أحشاء الذبيحة ؛ المَعَاش أو ما يسميه الناس هنا ( القـُشَّة ) على بيوت جيران صاحب الليلة ؛ لعشاء النسوة والأطفال في بيوتهم ، أما عن الرجال والشباب ، فيدعون لتناول وجبة عشاء الفرح ببيت صاحبه ، ما يعقبها طقس " النُّقْطَة "*** والذي يصحبه طقس " الخِلْفَة " ****، بأنْ يقف الخليفة - وهو منادي القرية وهو من كان يتولى وظيفة الإذاعة المتنقلة بين ربوعها للنداء على المفقودات وإذاعة إعلانات الأفراح والمآتم وعقد جميع الاجتماعات والمناسبات –
ليجأر بصوته عقب قيام كل مدعو بتقديم نقوطه في " صحن النقوط " بالدعاء له ولبنيه بكل صنوف الدعوات التي تناسب حاله ، فإن كان صاحب أبناء في سن الزواج يدعو له بتزويج بنيه أم بناته ، وإن كان له من الأولاد في مراحل التعليم المختلفة يدعو له بنجاحهم وتوظفهم في وظائف مرموقة ،
وإن كان عنده من هو في حال مرضية ، دعا له بشفائه وهكذا مراعاة حال كل صاحب نقوط ، ولا يحرم المنادي أم الخليفة من عطاء كل صاحب نقوط – وكل حسب مقدرته ومنزلته الاجتماعية – ثم يذهب الجميع بعدها إلى ساحة الفرح .
- وتوزع العروس من جلابيبها – ما كانت تلبسها قبل عقد قرانها – على صويحباتها ، وقد ينال الفقيرات في القرية والغارمات من ذلك الفضل الكثير من العطايا ، غير ما ينفقه أهلوها في السر على أمثال هؤلاء ؛ حرصا ورعاية لمشاعرهم وخاصة المتعففين منهم ، هؤلاء الذين لايسألون الناس ولا يزاحمون المناكب للحصول على عطاء .
----------------------------------------------------------------------
1- الدُّواقة : الذوق أو التذوق ( من كتاب : دفء السُّترة – قيد الطبع ل / حمدي عمارة )
* السلوى : سمن ممزوج بالملح .. ناتج عملية فصل السمن عن اللبن الحامض عقب خضِّه وسليه على النار
** السرسوب : اللبن المتخثر ... أول لبن يحلب من البقرة أم الجاموسة عقب ولادتها
*** النقطة : مبلغ من المال يقدم لصاحب الفرح يوضع في طيق كبير مغطى بعد تقييد قيمته باسم صاحبه في دفتر نقوط مخصوص ...
**** الخِلْفَة : رفع صوت الخليفة / المنادي باسم مقدم النقوط والدعاء له ولبنيه فينفح المنادِي مبلغا من المال لقاء ذلك ...