ذة. سارة ياسين: القيادة الهادئة تصنع أثرا لا يرى بالصوت بل بالفعل
في مدن الداخل، حيث تتحرك عجلة التنمية ببطء أحيانا، يظهر بين الحين والآخر أشخاص يختارون السير عكس المألوف، لا بالصخب ولا بالاستعراض، بل بالعمل الهادئ والمتواصل. في إقليم قلعة السراغنة، يبرز اسم سارة ياسين كواحد من هذه النماذج النسائية التي صنعت مسارها بثبات، ونسجت لنفسها موقعا في عالم الإدارة والأعمال والعمل الاجتماعي، دون ضجيج، ولكن بأثر واضح.
تنتمي سارة ياسين إلى جيل من النساء المغربيات اللواتي جمعن بين التكوين الأكاديمي الصلب والرؤية العملية للميدان. فقد حصلت على ماستر في تسيير الموارد البشرية من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير (ENCG)، كما تخصصت في هندسة الاتصالات، وهو مسار علمي يجمع بين الإدارة والتقنيات الحديثة، ويعكس منذ البداية ميولها إلى التفكير المنظم والتخطيط بعيد المدى.
غير أن ما يميز مسارها ليس الشهادات فقط، بل قدرتها على تحويل المعرفة إلى مبادرات ملموسة داخل الإقليم. اليوم تشغل سارة ياسين منصب المديرة الإدارية لمصحة القلعة المتعددة التخصصات، وهو موقع يتطلب حسًا إداريًا عاليًا وقدرة على التنسيق بين مختلف الفاعلين في القطاع الصحي. داخل هذا الفضاء الصحي، تُعرف بأسلوبها الدقيق في التسيير، وحرصها على متابعة التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبرى، إيمانًا منها بأن جودة الخدمات الصحية تبدأ من إدارة منظمة ورؤية واضحة.
لكن تجربة سارة ياسين لا تقف عند حدود الإدارة الصحية. فهي أيضًا امرأة أعمال اختارت أن تستثمر في مجالات غير تقليدية داخل الإقليم، مجالات ترتبط مباشرة بسوق الشغل المحلي وحاجيات المؤسسات. فقد أسست ثلاث شركات تعمل في قطاعات مختلفة: شركة متخصصة في خدمات حراس الأمن الخاص، وشركة تُعنى بتشغيل نساء النظافة والخدمات، وشركة في مجال الطباعة والخدمات المرتبطة بها.
ومن هنا يبدأ هذا الحوار…
هذا المسار الذي يجمع بين التكوين الأكاديمي والإدارة وريادة الأعمال.. كيف بدأ في حياتك؟
بدأ من قناعة بسيطة جدا، وهي أن العلم وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى ممارسة. دراستي في تسيير الموارد البشرية وهندسة الاتصالات منحتني أدوات مختلفة: التنظيم من جهة، والتفكير التقني من جهة أخرى. ومع الوقت، أصبح هدفي أن أترجم هذا التكوين إلى عمل ملموس داخل الواقع.
تشغلين اليوم منصب المديرة الإدارية لمصحة القلعة المتعددة التخصصات.. كيف تصفين هذه المسؤولية؟
هي مسؤولية دقيقة جدا، لأنها مرتبطة مباشرة بصحة الإنسان. في هذا المجال لا يمكن أن نتعامل مع الإدارة كأرقام فقط، بل كحياة يومية مليئة بالتفاصيل.
دوري هو ضمان التنسيق بين كل الأطقم، من الإدارة إلى الطاقم الطبي، حتى يشتغل الجميع بانسجام.
“أؤمن أن جودة الخدمات الصحية تبدأ من إدارة منظمة ورؤية واضحة.”
يقال إنك تعتمدين أسلوب الدقة قبل القرار.. ماذا يعني ذلك عمليا؟
يعني أنني لا أترك القرار يبنى على الانفعال أو الضغط. أراجع التفاصيل، أستمع لكل الأطراف، ثم أتخذ القرار بهدوء.
في قطاع الصحة، أي قرار سريع وغير مدروس يمكن أن ينعكس على المريض مباشرة، لذلك الدقة ليست خيارًا، بل ضرورة.
بين الإدارة والعمل الإنساني.. أين تجدين نفسك أكثر؟
لا أفرق بينهما. الإدارة بالنسبة لي هي وسيلة لتنظيم الجانب الإنساني وليس لإبعاده.
كل ما أقوم به داخل المصحة أو خارجها يجب أن يراعي الإنسان أولا، لأننا في النهاية نتعامل مع حياة وليس فقط مع مؤسسات.
إلى جانب هذا المسار، دخلت عالم ريادة الأعمال عبر ثلاث شركات… ما الفكرة الأساسية وراء ذلك؟
الفكرة كانت واضحة: هناك احتياجات حقيقية داخل الإقليم يمكن تحويلها إلى فرص عمل. لم يكن الهدف التوسع فقط، بل خلق قيمة مضافة.
اخترت مجالات مختلفة لأنها تكمل بعضها وتخدم المؤسسات بشكل مباشر.
لديك شركات في الأمن الخاص، والنظافة، والطباعة.. لماذا هذه القطاعات تحديدا؟
لأنها قطاعات أساسية لكنها غالبا لا تحظى بالاهتمام الكافي.
شركات الأمن الخاص تضمن استقرار المؤسسات، وخدمات النظافة عنصر لا يمكن الاستغناء عنه في أي فضاء مهني، والطباعة والخدمات المرتبطة بها جزء من البنية الإدارية لأي مؤسسة.
كل هذه المجالات تبدو بسيطة، لكنها في الواقع أساسية جدا في الحياة اليومية.
هل كان هدفك اقتصاديا فقط أم أن هناك بعدا اجتماعيا؟
بكل صراحة، البعد الاجتماعي حاضر بقوة.
أنا أعتبر أن أي مشروع لا يخلق فرص عمل أو لا يساهم في تحسين ظروف الناس يبقى ناقصا.
لهذا أحاول أن تكون هذه الشركات جزءا من الحل وليس فقط نشاطا اقتصاديا.
بصفتك امرأة في موقع مسؤولية وإدارة.. هل واجهت تحديات مرتبطة بهذه الصورة؟
التحدي الحقيقي ليس في كونك امرأة أو رجل، بل في إثبات الكفاءة.
عندما تكون النتائج واضحة والعمل منظم، تختفي كل التصنيفات.
أنا لا أشتغل على فكرة “إثبات الذات”، بل على فكرة “إثبات العمل”.
ما الذي تعتبرينه أكبر نجاح في مسارك إلى اليوم؟
أن أكون استطعت الجمع بين الإدارة والعمل الميداني والبعد الاجتماعي دون أن أفقد توازني.
وأيضا أن أكون جزءا من منظومة تخلق فرصا للآخرين، وليس فقط لنفسي.
كلمة أخيرة.. ماذا تقولين اليوم من خلال تجربتكِ؟
أؤمن أن النجاح ليس لحظة وصول، بل رحلة طويلة من التعلم والصبر.
كما أؤمن أن أي امرأة، عندما تُمنح الفرصة وتثق بنفسها، يمكنها أن تصنع فرقا حقيقيا في مجتمعها.
