حين تكرّم المدن ذاكرتها… ملتقى الثقافة العربية بخريبكة يكتب أربعة أيام من الوفاء والإبداع وصون التراث
ليست الثقافة ما نحتفظ به من حكايات الماضي فحسب، بل ما نختار أن ننقله إلى المستقبل. ومن هذه الفكرة استمدت الدورة العاشرة لملتقى الثقافة العربية، المنظم من طرف منتدى الآفاق للثقافة والتنمية برئاسة الأستاذة ياسمين الحاج، روح برنامجها الذي امتد بين أبي الجعد وخريبكة وبني ملال، تحت شعار «التراث الثقافي: بوابة الهوية ونبض الذاكرة».
وعلى مدى المحطات التي شملتها هذه التغطية، من الجمعة 30 أكتوبر إلى الاثنين 2 نونبر 2026، تنوعت الفعاليات بين المحاضرات العلمية والندوات والورشات التكوينية والتكريمات والعروض الفنية، في مسار لم يكتف باستحضار الذاكرة، بل حاول فتح النقاش حول مسؤولية صونها وتثمينها، والاحتفاء بالأسماء التي تركت بصمتها في مجالات مختلفة.
أبي الجعد… حين تستعيد الذاكرة أبعادها الروحية والعلمية
كانت البداية من أبي الجعد، يوم الجمعة 30 أكتوبر، حيث احتضنت القاعة الكبرى للمجلس الجماعي محاضرة علمية للدكتورة عزيزة بزامي، الباحثة في الفكر الإسلامي والتراث والحضارة المغربية، بعنوان «تجليات المحبة النبوية في ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج لسيدي محمد المعطى الشرقاوي».
وتوقفت المحاضرة عند المضامين العلمية والروحية والتربوية لهذا المؤلف، مستحضرة تجليات المحبة النبوية ومكانة الصلاة على النبي والمديح النبوي في التراث المغربي. كما أعادت تسليط الضوء على إسهامات العلامة سيدي محمد المعطى الشرقاوي، أحد أعلام أبي الجعد، وما يمثله إنتاجه من قيمة في الذاكرة الدينية والثقافية للمدينة.
وجاء هذا اللقاء ضمن البرنامج الثقافي والروحي المصاحب للموسم السنوي للولي الصالح سيدي بوعبيد الشرقي، فيما تضمن برنامج اليوم الأول أيضاً ندوة فكرية وفقرة تكريمية بدار الشباب سيدي الحفيان، إلى جانب جولة تراثية للتعريف بالمؤهلات التاريخية والثقافية للمدينة.
خريبكة… «ليلة الوفاء» وذاكرة الاعتراف
في اليوم الموالي، السبت 31 أكتوبر، انتقلت الفعاليات إلى مدينة خريبكة، حيث احتضنت الخزانة الوسائطية «ليلة الوفاء»، بحضور شخصيات رسمية ومؤسساتية وثقافية وإعلامية، من بينها الكاتب العام لعمالة إقليم خريبكة وباشا المدينة، وممثلة جهة بني ملال-خنيفرة والمدير الجهوي للثقافة ببني ملال، إلى جانب منتخبين وفعاليات ثقافية وإعلامية وضيوف الملتقى.
وفي كلمتها، أكدت الأستاذة ياسمين الحاج، رئيسة منتدى الآفاق للثقافة والتنمية ومديرة الملتقى، أن التراث ليس مجرد إرث من الماضي، بل ذاكرة حية وجسر يصل الأجيال بعضها ببعض، مشددة على أهمية استثمار هذا الرصيد في بناء الحاضر واستشراف المستقبل. كما توقفت عند رمزية عيد الوحدة وما يحمله من معاني التلاحم والتشبث بالثوابت الوطنية، ونوهت بمساهمة الشركاء والجهات الداعمة في إنجاح هذه الدورة.
وكانت لحظة التكريم من أبرز فقرات الأمسية، حيث احتفت إدارة الملتقى بأسماء من مجالات مهنية وإبداعية وإعلامية مختلفة، في صورة تعكس تنوع التجارب التي تستحق التقدير.
وضمت قائمة المكرمين الأستاذ سيدي محمد أسموني، مدير قطب التنمية بالمكتب الوطني للسكك الحديدية، الذي راكم تجربة مهنية تجاوزت خمسة وثلاثين عاماً في قطاع السكك الحديدية، وتولى خلالها مسؤوليات متعددة، كما ارتبط مساره بمشروع القطار فائق السرعة، أحد أبرز التحولات التي عرفها النقل السككي بالمغرب.
كما شمل التكريم الفنان والكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد، أحد أبرز رواد المسرح الاحتفالي، الذي جعل من التراث والذاكرة والاحتفال ركائز أساسية في مشروعه المسرحي، وأسهم في إغناء التجربة المسرحية المغربية والعربية.
وكان للحضور الإعلامي العربي نصيبه من هذه الالتفاتة، من خلال تكريم الصحافية اللبنانية رويدا مروة، التي شاركت كذلك في البرنامج التكويني للملتقى بتأطير ورشة متخصصة في فن الحوار الصحفي مع الشخصيات الثقافية.
ومن بين المكرمات الصحافية المغربية منال شوقي، التي بدأت مسارها المهني سنة 1998، عبر تجارب في التلفزيون والصحافة المكتوبة، شملت القناتين الأولى والثانية، وكانت مجلة «سيتادين» من أبرز محطاتها. وأسست سنة 2009 مجلة «أسرة مغربية»، وأطلقت مشروع «أسرة TV» سنة 2011، كما تقود منذ سنة 2015 مهرجان «قفطان فاشن ويك»، احتفاء بالقفطان المغربي وإبرازاً لقيمته الجمالية والحرفية.
واختتمت قائمة المكرّمين فاطمة الزهراء تابع، المعروفة بلقب «السيدة الحرة»، تقديرا لحضورها في مجال تصميم الأزياء والقفطان المغربي، وما تعكسه تجربتها من ارتباط بالإبداع والهوية الجمالية للزي التقليدي.
ولم تكن «ليلة الوفاء» مجرد لحظة لتسليم التكريمات، بل امتدت إلى فضاءات الفن والجمال، من خلال معرض للصناعة التقليدية والفنون التشكيلية للفنانة ليلى موردي، وعرض للأزياء جمع بين إبداعات «السيدة الحرة» وتصاميم فتيحة غيلان، إلى جانب فقرات فنية استحضرت أجواء العرس المغربي الأصيل، في احتفاء بتنوع التعبيرات الفنية وثراء الموروث الشعبي.
الأحد… فن الحوار حين يصبح وسيلة لحفظ الذاكرة
صباح الأحد فاتح نونبر، عادت الخزانة الوسائطية التابعة للمجمع الشريف للفوسفاط لتكون فضاء للتكوين وتبادل الخبرات، من خلال ورشة «فن الحوار الصحفي مع الشخصيات الثقافية»، التي أطرتها الصحافية اللبنانية رويدا مروة.
وقد تناولت الورشة خصوصية الحوار مع المثقفين والمبدعين، وما يتطلبه من مهارات في الإصغاء وإعداد الأسئلة وإدارة النقاش، بما يساعد على استكشاف التجارب الإبداعية وإبراز ملامحها وتوثيق الذاكرة الثقافية. فالحوار الصحفي الجيد لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يمنح التجربة الإنسانية والفكرية فرصة لأن تُروى وتُفهم وتبقى.
وتواصل البرنامج في اليوم نفسه بندوة علمية حول التراث الثقافي، وورشات تكوينية وفقرات ثقافية أخرى، إلى جانب أمسية شعرية، في تنوع جمع بين المعرفة والتعبير الفني، وفتح المجال أمام النقاش والتفاعل حول قضايا الثقافة والهوية والذاكرة.
بني ملال… من الاحتفاء بالتراث إلى امتلاك أدوات حمايته
وفي محطة علمية أخرى، احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، يوم الاثنين 2 نونبر، ورشة تكوينية بعنوان «المبادئ والعمليات والمراحل الأساسية لتثمين التراث المعماري».
ونظمت هذه المبادرة من طرف منتدى الآفاق للثقافة والتنمية، بتنسيق مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية والمحافظة الجهوية للتراث، تحت شعار «التراث الثقافي: بوابة الهوية ونبض الذاكرة»، وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبشراكة مع OCP Act4Community وجهة بني ملال-خنيفرة.
وأطر الورشة الأستاذ محمد شكري، المحافظ الجهوي للتراث بجهة بني ملال-خنيفرة، من خلال مداخلة تناولت «التراث المعماري المحلي والمعالم التاريخية وتنوع أنماطها في جهة بني ملال-خنيفرة»، مسلطا الضوء على الرصيد المعماري والحضاري الذي تزخر به المنطقة، وما يطرحه من تحديات مرتبطة بالحماية والتوثيق والتثمين.
كما أتاحت الورشة فرصة للتوقف عند المراحل الأساسية للتعامل مع التراث المعماري، من التعرف على مكوناته وتوثيقها إلى صيانتها وتثمينها، بما يضمن استمراريتها وإدماجها في الدينامية الثقافية والتنموية للمجال.
وتولت تنسيق هذه المحطة العلمية الأستاذة ثريا المبعد، منسقة ماستر «التراث: التراب والمجتمع»، في إطار تعاون مؤسساتي وأكاديمي ساهمت فيه المديرية الجهوية لوزارة الثقافة ببني ملال-خنيفرة، وجامعة السلطان مولاي سليمان، والجماعة الترابية لأبي الجعد، والتعاون الوطني.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرة حدود التكوين الأكاديمي، لأنها تضع التراث المعماري في صلب النقاش حول التنمية والهوية، وتؤكد أن حماية الذاكرة المادية للمجتمعات لا تتحقق بمجرد الاحتفاء بها، وإنما تحتاج إلى معرفة علمية وتعاون مؤسساتي ورؤية عملية.
مصطفى رجوان… وفاء خريبكة لأبنائها
وفي اليوم نفسه، وعلى هامش فعاليات الملتقى العاشر للثقافة العربية بخريبكة، حظي الأستاذ مصطفى رجوان بلفتة تكريم، اعترافاً بما قدمه من عطاء وتقديرا لمساره وحضوره المؤثر في المشهد الثقافي بالمدينة.
وجاءت هذه الالتفاتة تعبيرا عن الوفاء لأبناء خريبكة الذين أسهموا في خدمة المعرفة والثقافة، وجعلوا من الكلمة رسالة ومن الالتزام ممارسة متواصلة. وهي لحظة تؤكد أن قيمة المدن لا تقاس بعمرانها وحده، بل أيضاً بما تحتفظ به من ذاكرة إنسانية، وبقدرتها على الاعتراف بمن تركوا أثرا في وجدانها.
الذاكرة مسؤولية… والثقافة فعل مستمر
من المحاضرة العلمية في أبي الجعد إلى «ليلة الوفاء» بخريبكة، ومن ورشات الحوار والتكوين إلى النقاش الأكاديمي حول تثمين التراث المعماري ببني ملال، قدمت المحطات الأربع صورة عن ملتقى اختار أن يربط الاحتفاء بالموروث بالاشتغال على مستقبله.
فالثقافة لا تستمد قيمتها من استعادة الماضي وحدها، بل من قدرتها على تحويل الذاكرة إلى معرفة، والاعتراف بالعطاء إلى قيمة مجتمعية، والتراث إلى عنصر فاعل في حياة الناس وتنمية مجالاتهم.
وتتواصل فعاليات الدورة العاشرة لملتقى الثقافة العربية إلى غاية 3 نونبر 2026، في موعد يؤكد أن صون الذاكرة الثقافية مسؤولية مشتركة، وأن الأثر الحقيقي للثقافة يبدأ حين يصبح جزءا من الحاضر، لا مجرد حكاية تروى عن الماضي.
قبل اعتماد النسخة نهائيا، هناك نقطتان تحريريتان صغيرتان: لم أضف سيرة غير موثقة لبقية المكرّمين، وحافظت على ترتيب الأسماء الذي حددتِه. كما أبقيت تكريم مصطفى رجوان في محطة الاثنين، منفصلاً عن تكريمات السبت، حتى لا يختلط تاريخ الحدثين.
