الدكتور جواد رسام: آن الأوان أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها وتقدم استقالتها
الدكتور جواد رسام ليس مجرد سياسي؛ إنه نموذج للاستقامة والعمق، يجمع بين الحس المسؤول والرؤية الإستراتيجية، ويضع خدمة المواطن والوطن فوق كل اعتبار.
هو نائب رئيسة مقاطعة سيدي بليوط وعضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، استطاع أن يجعل من السياسة أداة للتغيير الإيجابي، ومن التدبير المحلي مساحة للإنجاز والابتكار.
في هذا الحوار الحصري لمجلة «أسرة مغربية» فتح رسام لنا نافذة على إنجازات مقاطعة سيدي بليوط، وكشف عن رؤيته الوطنية الشاملة، مركزا على القيم التي تؤمن بالعدالة والكرامة والمساواة، وموجها رسائل قوية للشباب حول الانخراط السياسي والمسؤولية المجتمعية. حوار يعكس شخصية فريدة، صلبة في مواقفها، ناعمة في إنسانيتها، وحاضنة لطموحات كل من آمن بالسياسة كواجب وأمانة.
دكتور جواد، بداية، كيف يمكن أن تقدموا لنا صورة عامة عن البرامج والمشاريع التي تم إنجازها بمقاطعة سيدي بليوط، وما يثار حول “البلوكاج” الذي تتحدث عنه المعارضة؟
من المهم بداية أن نوضح أن لا وجود لما يسمى بـ“البلوكاج” داخل مقاطعة سيدي بليوط، فالأمور تسير بشكل طبيعي ومؤسساتي. المجلس يضم ثلاثين مستشارا من عشرة أحزاب سياسية، وقد تم انتخاب الرئيسة الأستاذة كنزة الشرايبي بالإجماع، وتمت المصادقة على المكتب المسير واللجان بالأغلبية المطلقة. صحيح أن بعض الخلافات الشخصية ظهرت بعد فترة من الانسجام، إلا أنها لم تؤثر على السير العادي للمقاطعة.
اليوم يمكن القول إن أزيد من 80% من أزقة وشوارع سيدي بليوط عرفت إصلاحا وتبليطا وتزفيتا، كما تعرف المنطقة أوراشا كبرى مفتوحة، سواء تلك التي تشرف عليها الجماعة الحضرية أو مجلس العمالة أو الجهة أو حتى وزارة الداخلية، فضلا عن المشاريع الملكية المهيكلة التي تهم المنطقة السياحية لميناء الدار البيضاء وسوق السمك الجديد.
وفي ميزانية السنة المقبلة، رصدنا اعتمادات مالية مهمة لإعادة تأهيل المركب الثقافي التاريخي سيدي بليوط والمعهد الموسيقي، في انتظار تدخل مجلس المدينة للإصلاح شامل لهذين المرفقين الثقافيين العريقين. أما على مستوى الأنشطة الثقافية والإشعاعية، فهي متواصلة سواء بتنظيم مباشر من المقاطعة أو بشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، ما يجعل من سيدي بليوط فضاء حضريا نابضا بالحياة.
أنتم في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تمارسون اليوم دور المعارضة. كيف تقيمون أداء الحكومة الحالية من موقعكم هذا؟
لم نختر نحن موقع المعارضة، بل تم إقصاؤنا بفعل تحالفات متناسقة بين أحزاب معينة اختارت أن تستحوذ على أغلب مفاصل التدبير، من الجماعات إلى الجهات والمجالس الإقليمية. هذا ما وصفناه بـ»التغول السياسي»، لأن تلك الأغلبية لم تكتف بتدبير المؤسسات بل حاولت الحد من دور المعارضة التي منحها الدستور صلاحيات واضحة. ما نراه اليوم هو تراجع عن روح دستور 2011، الذي كان يرمي الى توازن السلط وإشراك الجميع في القرار العمومي.
وماذا عن وضع حزب الاتحاد الإشتراكي اليوم؟ هناك من يتساءل عن مكانته ومستقبله في المشهد السياسي المغربي؟
أؤكد أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بخير. الحزب يعيش دينامية تنظيمية كبيرة، حيث تم تنظيم أكثر من 72 مؤتمرا إقليميا، وتشكيل أجهزة محلية وجهوية جديدة، استعدادا للمؤتمر الوطني المقبل. نحن نعمل على تجديد نخب الحزب وتأهيلها لتكون قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، وهدفنا واضح: العودة إلى الصدارة لتولي مسؤولية رئاسة الحكومة مستقبلا.
كما أن الاتحاد الإشتراكي يواصل أداءه القوي في الساحة الدولية عبر دبلوماسيته الحزبية، إذ يشارك بفعالية في مؤتمرات دولية، مدافعا بشراسة عن قضيتنا الوطنية ومقنعا العديد من الأحزاب الإشتراكية الحاكمة بعدالة قضيتنا الترابية. ولا ننسى أن تنظيماتنا الموازية – من نقابات وهيئات وجمعيات – تلعب دورا أساسيا في نشر قيم الحزب ومواقفه داخل المجتمع.
نحن اليوم نراهن على تخليق الحياة السياسية، ومحاربة الفساد الانتخابي، ووضع حد لتغول المال في السياسة، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تستقيم في ظل الافلات من العقاب.
في هذا الاطار، كيف تنظرون إلى تحريك وزارة الداخلية لمساطر العزل والمتابعة ضد عدد من المنتخبين؟
يجب أن نكون واضحين: الفساد لا يختزل في المنتخب فقط، بل هو منظومة متشابكة تشمل قطاعات وإدارات متعددة. محاربة الفساد يجب أن تكون شاملة، قائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة في كل المستويات. ما نراه اليوم من احتجاجات اجتماعية يعكس أزمة ثقة عميقة في قطاعات كالتعليم والصحة، حيث تتجلى مظاهر الاختلال والزبونية.
نحن بحاجة إلى تخليق المرفق العمومي، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتجنب منطق “التنافي”، أي الجمع بين الثروة والسلطة. فلا يمكن أن يكلف رجل أعمال بتدبير الشأن العام، ثم نجد أنه يبرمج الصفقات لصالح مقاولاته أو يستفيد من إعفاءات ضريبية. المطلوب اليوم هو إرساء الحكامة وتكافؤ الفرص، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الشخصية.
وماذا عن وضع ملاعب القرب والفضاءات الرياضية داخل مقاطعة سيدي بليوط؟
للاسف، تعاني المقاطعة من خصاص كبير في الوعاء العقاري، وهو ما يحد من قدرتنا على إنشاء ملاعب وفضاءات رياضية جديدة. اليوم لا نتوفر إلا على ملعبين اثنين تم تهيئتهما في الأصل داخل فضاءين كانا عبارة عن حديقتين. ومع ذلك، نطالب باستمرار بأن تفتح وزارة التربية الوطنية والشباب والرياضة ملاعبها وجنباتها الرياضية في وجه شباب المقاطعة عبر اتفاقيات شراكة، تتكفل المقاطعة في إطارها بأعمال الصيانة والتجهيز.
لقد كانت الرياضة المدرسية في الماضي مدرسة لصناعة الأبطال، واليوم علينا أن نستعيد ذلك الدور الحيوي بالتنسيق والتفكير المشترك بدل الانغلاق والانكماش.
ما الرسالة التي تودون توجيهها للشباب الراغب في دخول غمار السياسة، خصوصا أبناء جين «Z»؟
رسالتي لهم واضحة: السياسة لا تمارس من الخارج. على الشباب أن ينخرطوا في الأحزاب الجادة، وأن يتكونوا داخلها ويتحملوا المسؤولية، لأن المستقبل لهم، والأفكار الجديدة لن تجد طريقها إلى المؤسسات ‘لا من الداخل. بهذا الانخراط نحارب العزوف السياسي والانتخابي، ونغلق الباب أمام المفسدين. حتى من لا يرغب في العمل الحزبي، عليه على الأقل أن يسجل في اللوائح الانتخابية ويدلي بصوته، لأن الامتناع عن المشاركة هو مساهمة غير مباشرة في تكريس الفساد.
وأود أن أذكرهم بأن الوسيط الحقيقي بين الدولة والمواطن هو الحزب السياسي، ولا وجود لبديل آخر يحقق الاصلاح المؤسساتي إلا من خلاله.
في ظل احتجاجات الشباب الأخيرة، هل تعتقدون أن جين «Z» يحتاج إلى تأطير أم إلى استماع؟
في الحقيقة، هذا الجيل يحتاج إلى الاثنين معا: التأطير والاستماع. من حقه أن يحتج ويطالب بكرامته وبالعيش الكريم، وهذا جوهر المواطنة. لكن يجب أن نصغي إلى مطالبه ونفهم دوافعه. هؤلاء الشباب ولدوا في زمن الانفتاح الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي، وهم على وعي كبير بما يدور في العالم.
الحكومة للأسف اختارت سياسة النعامة، وتجاهلت أصواتهم، فكان رد فعلهم طبيعيا. هؤلاء الشباب لا يريدون الفوضى، بل يريدون إصلاحا حقيقيا وسلطة تصغي لهم. ولذلك أقولها بوضوح: بعد كل هذه الأزمات، آن الأوان أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها وتقدم استقالتها، لأنها أثبتت فشلها في التدبير والعجز عن خلق التنمية أو إعادة الثقة للمجتمع.
